حين تصمت الكوابيس
ماذا يحدث عندما تنتهي المعركة التي أمضينا وقتًا طويلًا نحاول النجاة منها؟ من حوار عابر بين فيرسو ولوني، نتأمل الفراغ الذي قد يأتي بعد المعاناة، والحارس الذي لم يصله خبر السلام بعد.
ماذا يبقى حين ينتهي ما كنا نحاول النجاة منه؟
⚠️ تنبيه حرق: يتناول المقال حوارًا جانبيًا بين فيرسو ولوني من الفصل الثاني في لعبة إكسبيديشن 33، دون الكشف عن أحداث النهاية. تقدر تقرأه حتى لو ما لعبت اللعبة.
في إحدى جلسات المخيم، كان فيرسو ولوني يتحدثان عن النوم.
بدأ الحديث بملاحظة من فيرسو عن سهر لوني الدائم،
ثم تحول إلى فضول متبادل عن الأسباب التي تُبقي كليهما مستيقظًا.
وحين سألته لوني عن سبب أرقه،
حاول كعادته الهروب من السؤال بمزحة عن ثقل العالم وروحه المعذبة.
لكن لوني لم تكن من النوع الذي يترك سؤالًا مثيرًا للاهتمام يهرب بهذه السهولة.
وبعد قليل من المراوغة،
اعترف فيرسو بأن النوم لم يكن مريحًا بالنسبة له.
كانت تراوده كوابيس مروعة، ثم توقفت.
والمفاجأة؟
«أصبح الأمر أسوأ عندما توقفت الكوابيس. والآن لم يبقَ سوى... فراغ خانق»
وبينما انشغلت لوني بفضولها العلمي، واقترحت مراقبته أثناء نومه،
ترك لنا فيرسو سؤالًا يستحق أن نسهر من أجله.
كيف يمكن لغياب الكوابيس أن يكون أسوأ من وجودها؟
من المفترض أن نشعر بالراحة عندما يتوقف ما يؤلمنا.
بعد سنوات من القلق، نريد الاطمئنان.
وبعد صراع طويل، نريد السلام.
وبعد ليالٍ قضيناها نتمنى نومًا هادئًا،
نتوقع أن نستقبل أول ليلة بلا كوابيس بابتسامة.
لكن النفس البشرية لديها موهبة عجيبة في مفاجأتنا.
وأحيانًا، تأتي المفاجأة بعد انتهاء المشكلة.
حين يغادر الضيف الثقيل
تخيّل أن ضيفًا ثقيل الظل استقر في منزلك لسنوات.
تعرف مواعيد استيقاظه، والأشياء التي تزعجه، والأوقات التي تحتاج فيها إلى تجنبه.
تغيّر بعض عاداتك من أجله، وتعيد ترتيب يومك حول وجوده.
ثم، ذات صباح، يحمل حقائبه ويرحل.
أخيرًا!
تستطيع أن تجلس حيث تريد، وأن تتناول طعامك متى تشاء، وأن تتنفس دون حساب خطواتك التالية.
لكن بعد قليل، تلاحظ شيئًا غريبًا.
المنزل هادئ أكثر مما اعتدت عليه.
تلتفت عندما تسمع صوتًا في الممر،
وتتردد قبل أن تفعل شيئًا كان يزعجه،
وربما تجد نفسك تفكر في موعد عودته، رغم أنك تعرف أنه رحل.
الضيف غادر، لكنك ما زلت تعيش وفق قواعد وجوده.
وهكذا يحدث مع بعض تجاربنا المؤلمة.
عندما نعيش طويلًا في حالة من الترقب، نتعلم كيف نستعد للمشكلة التالية،
وكيف نلتقط الإشارات الصغيرة، وكيف نحمي أنفسنا من تكرار ما حدث.
ومع الوقت، تصبح هذه الاستعدادات مألوفة إلى درجة أننا نستمر في استخدامها حتى بعد تغير الظروف.
وهناك فرق بين أن تصبح في أمان، وأن تستطيع الشعور بالأمان.
قد تتغير الظروف قبل أن تتغير استجابتنا لها،
ويحتاج العقل والجسد إلى وقت حتى يعتادا غياب التهديد الذي عاشا طويلًا في انتظاره.
لقد انتهت المعركة في الخارج.
أما الحارس في الداخل، فلم يصله خبر السلام بعد.
اليوم الذي يلي خط النهاية
لكن ماذا لو اعتاد الإنسان المشكلة نفسها، حتى أصبحت جزءًا من الطريقة التي ينظم بها حياته؟
فكر في شخص أمضى سنوات يستعد لاختبار مصيري.
كان يعرف ما ينتظره كل صباح: فصول يراجعها، وأسئلة يتدرب عليها، وموعد يقترب.
ثم يأتي يوم الاختبار، وينتهي.
يستطيع الآن أن ينام دون ضبط المنبّه، وأن يشاهد ما يحب دون الشعور بأن عليه العودة إلى كتبه.
يستمتع بالراحة التي انتظرها طويلًا.
لكن عندما يحاول ترتيب أسبوعه التالي، يجد نفسه أمام ساعات لم يعتد أن يقرر وحده كيف يقضيها.
لم تعد هناك فصول يراجعها، ولا أسئلة يتدرب عليها، ولا موعد يستعد له.
كان يعرف جيدًا ما عليه فعله لتحقيق هدفه، لكنه لم يفكر كثيرًا فيما يريد فعله بعد الوصول إليه.
وهنا قد يتسلل الشعور بالضياع.
فالاختبار، بكل ما حمله من ضغط، كان يمنحه هدفًا واضحًا، وأولويات يومية، ومقياسًا يعرف به إن كان يتقدم أم يتأخر.
والآن، أصبح عليه أن يكتشف كيف يريد أن يقضي وقته، وما الذي يستحق اهتمامه، وأين يوجه طاقته.
وهذه المرة، لا توجد ورقة أسئلة تخبره بما عليه فعله.
نرى شيئًا مشابهًا عندما نقضي سنوات نتخيل الحياة التي سنحصل عليها بعد تجاوز عقبة معينة.
«عندما أتخرج...»
«عندما أترك هذا العمل...»
«عندما أتجاوز هذه المرحلة...»
«عندما أتعافى...»
نضع سعادتنا في مكان ما خلف خط النهاية.
تحدثنا عن هذا الوعد سابقًا في مقال «التسوكويومي الأبدية»، حين تأملنا حلم مادارا بعالم تختفي منه المعاناة، وفكرة الراحة التي نؤجلها إلى نهاية مثالية.
لكن ماذا يحدث حين نعبر الخط فعلًا؟
نكتشف أن الحياة ما زالت تنتظر منا أن نعيشها.
فالنجاة، مهما كانت عظيمة، لا تخبرنا وحدها كيف نعيش ما بعدها.
الفراغ الذي نخشاه
لنتأمل اعتراف فيرسو مرة أخرى.
كانت الكوابيس، رغم رعبها، تحمل صورًا وأحداثًا ومشاعر يستطيع وصفها.
أما ما جاء بعدها، فلم يجد له سوى كلمتين:
فراغ خانق.
والفراغ كلمة غريبة.
نستخدمها لوصف المساحات الخالية، والأوقات التي لا تشغلنا فيها المهام، والأماكن التي تنتظر شيئًا يملؤها.
لكننا لا نتعامل مع الفراغ كله بالطريقة نفسها.
ساعة فراغ بعد يوم مزدحم قد تكون هدية.
أما ساعة فراغ بعد سنوات كانت حياتنا فيها تدور حول مشكلة واحدة، فقد تفتح أسئلة لم نعتد مواجهتها.
ماذا أريد الآن؟
ما الذي افتقدته وأنا منشغل بالنجاة؟
وما الذي كنت أؤجله إلى اليوم الذي تنتهي فيه المعاناة؟
أحيانًا، يصبح الانشغال بما نخافه أسهل من مواجهة ما نريده.
فالخوف يقدم لنا تعليمات واضحة:
انتبه.
استعد.
احذر.
أما الرغبة، فتحتاج منا إلى أن نختار.
والاختيار يفتح احتمالات كثيرة.
نحتاج إلى أن نفكر فيما نريده، وأن نجرب، وأن نتحمل احتمال الخطأ، وأن نكتشف ما يناسبنا وما لم يعد يناسبنا.
أما الخوف، فيبدو أحيانًا كأنه يعرف الطريق جيدًا، حتى لو كان يقودنا إلى المكان نفسه كل مرة.
ولهذا نستطيع أن نمضي وقتًا طويلًا ونحن نعرف بالتفصيل كل الأشياء التي لا نريد حدوثها،
بينما نعجز عن الإجابة عندما يسألنا أحدهم:
وماذا تريد أن يحدث؟
هل نعرف كيف نعيش دون معركة؟
عندما يهدأ الصراع، قد نجد أنفسنا نبحث عن شيء آخر نقلق بشأنه.
نراجع قرارًا انتهينا منه، ونتخيل خلافًا لم يحدث، أو نملأ أيامنا بالمهام حتى لا تبقى دقيقة واحدة دون انشغال.
قد تكون لهذه السلوكيات أسباب مختلفة.
ومع ذلك، يستحق الأمر أن نسأل أنفسنا:
هل نحتاج فعلًا إلى الاستعداد لشيء ما الآن، أم أننا اعتدنا الشعور بأن هناك شيئًا يستدعي استعدادنا؟
والسؤال لا يحمل اتهامًا.
فالإنسان الذي قضى وقتًا طويلًا يحاول النجاة يستحق أن يرتاح، حتى لو احتاج بعض الوقت ليتعلم كيف يفعل ذلك.
ولعل في رد لوني على اعتراف فيرسو شيئًا يستحق التأمل.
فحين أخبرها عن الفراغ الذي حلّ محل كوابيسه، لم تحاول أن تقدم له تفسيرًا جاهزًا.
بدأت تطرح الأسئلة، حتى اقترحت مراقبته أثناء نومه من أجل العلم.
لم تكن تحاول مساعدته على تجاوز ذلك الفراغ، بل أرادت أن تفهمه.
ويمكننا أن نستعير من ردها شيئًا بسيطًا: الفضول تجاه ما لا نعرفه بعد.
فربما لا نحتاج إلى معرفة ما نريده من الحياة كلها قبل أن نبدأ باستكشافها.
قد يكفي أن ننتبه إلى الأشياء التي تثير فضولنا، ونجرب ما يجذب اهتمامنا، دون أن نعرف مسبقًا إلى أين سيقودنا.
يمكن أن نبدأ بأشياء صغيرة.
أن نستمتع بهواية دون أن نحوّلها إلى مهمة جديدة، أو نسمح ليوم هادئ بأن يكون يومًا هادئًا.
وربما نشرب كوب قهوة دون أن نحسب الدقائق المتبقية قبل المشكلة التالية.
وهذا يذكرني بما تحدثنا عنه في مقال «قد لا أجيده، لكنني أحبه»،
حين دخلنا مسودات فيرسو وتأملنا المتع الصغيرة التي نمارسها لمجرد أننا نحبها،
دون أن نطالبها بأن تصبح مشروعًا أو إنجازًا.
قد تكون العودة إلى إحدى تلك المتع طريقة بسيطة لاكتشاف ما نريد الاقتراب منه.
فالسلام مساحة نستطيع أن نتعلم العيش فيها، بطريقتنا ووتيرتنا.
يكفي أحيانًا أن نكتشف أن بإمكاننا الاستمتاع بها.
📝 خذ لحظة: ما بعد المعركة
تخيّل أن المشكلة التي تشغل جزءًا كبيرًا من تفكيرك انتهت.
أو أن الظروف تغيّرت، ولم تعد بحاجة إلى الاستعداد لها بالطريقة نفسها.
أمامك مساحة صغيرة من الهدوء.
خذ ورقة، أو افتح ملاحظات هاتفك، واسأل نفسك:
1. ما الشيء الذي ما زلت أستعد له؟
هل هناك خطر حاضر يحتاج انتباهي، أم أنني أكرر استعدادًا تعلّمته في ظروف سابقة؟
2. ما الذي أخذته مني هذه المعركة؟
وقت؟ طاقة؟ فضول؟ مساحة لأشياء أحبها؟
3. لو استعدت نصف ساعة من ذلك الوقت، ماذا أحب أن أفعل بها؟
قد تكون الإجابة قراءة فصل من كتاب، أو العودة إلى هواية، أو الجلوس مع شخص تحبه، أو حتى الاستمتاع بالهدوء نفسه.
اختر شيئًا صغيرًا، وامنحه عشر دقائق من يومك إن استطعت.
جرّب أن تفعل شيئًا لأنك تريد الاقتراب منه، بدل أن تكون كل خطواتك محاولة للابتعاد عن شيء تخشاه.
ثم لاحظ كيف تبدو لك هذه المساحة.
💌 رسالتي لك
إذا انتهت مرحلة صعبة من حياتك، ولم تشعر بالراحة التي كنت تتوقعها، امنح نفسك بعض الوقت.
قد تغادر المشكلة، ويبقى جزء منك يتصرف وكأنها ما زالت موجودة.
تذكّر ضيفنا الثقيل؟
لقد غادر المنزل، لكن خطواتك ما زالت تتحاشى إزعاجه.
تعلّمت كيف تحمي نفسك في ظروف كانت تحتاج منك ذلك،
ومن الطبيعي أن يستغرق اعتياد ظروف جديدة بعض الوقت.
وإذا وجدت نفسك أمام فراغ لا تعرف كيف تملؤه، فلا تستعجل.
ليس عليك أن تحوّل الهدوء إلى مشروع جديد، أو أن تجد هدفًا عظيمًا لكل ساعة أصبحت ملكك.
اترك لنفسك مساحة لتكتشف ما تحبه، وما يثير فضولك، وما تريد أن تمنحه أيامك، بعد أن منحت ما تخشاه وقتًا طويلًا.
الكوابيس كانت تخبرنا ممّ نهرب.
أما حين تصمت...
فمن سيخبرنا إلى أين نذهب؟
هل انتهيت من القراءة؟
لن تُحتسب الزيارة وحدها كقراءة.
خاصية تجريبية علامة «مقروء» محفوظة على هذا الجهاز فقط.