قد لا أجيده، لكنني أحبه: المتع الصغيرة التي لا تحتاج إلى مستقبل
💙عن الأشياء التي نفعلها لمجرد أننا نحبها
في مسودات فيرسو، المنطقة الإضافية من لعبة Clair Obscur: Expedition 33،
ندخل عالم تحس إنه طلع من دفتر طفل مفتوح.
قطارات وحلوى وبالونات. ألعاب ومراجيح وبيوت شجرية ومخلوقات غريبة.
مدينة ملاهي تلبس فيها الشخصيات أزياء غريبة، وتقفز في الماء،
وتبحث عن قارب ضائع، وتجمع قطع كيكة عشان توصل إلى حفلة عيد ميلاد.
العالم ما يحاول يكون منطقي.
كل شيء فيه موجود لأن فيرسو الصغير أحبه، فجمعه في المكان نفسه.
حتى كلمة «مسودات» تناسبه. المسودة تسمح للفكرة أن تكون غريبة وناقصة ومبالغ فيها.
تسمح لها تظهر قبل ما تعرف إيش المفروض تصير.
هي مساحة للعب قبل ما يبدأ التقييم.
لكن وسط هذا العالم الطفولي، يرمي أوسكيو على فيرسو جملة:
« لن تكون موسيقيًا جيدًا، والرسم هو خيارك الوحيد. »
الجملة تعلق في البال لأنها تربط حق فيرسو في اختيار ما يحب بقدرته على إتقانه.
وكأن حب الموسيقى يحتاج أولًا إلى شهادة تثبت أنه يستحقها.
وبالنسبة لي، أعادتني إلى شيء كنت أفعله من غير ما أسأل إذا كنت جيدة فيه.
📝شيء صغير في الهامش
في العادة، كان الدفتر بالنسبة لي أداة أسجل فيها اللي تقوله المعلمة وما يُكتب على السبورة.
لكن في فترة معيّنة من سنوات المدرسة، بدأت أعبث على طرف الصفحة في بعض الحصص.
أرسم شخصية، أو أخط بيت شعر بطريقة تعجبني، أو أحاول أقلد شعار لعبة علق في بالي.
ما كنت أرسم طوال الوقت، ولا كنت أشوف نفسي رسامة.
يمكن كنت أسويها لأني طفشانة، بكل بساطة. الحصة تطول، والصفحة قدامي،
فيطلع شيء صغير في الهامش يجعل الوقت يمر أسرع.
الرسم وقتها كان حركة عابرة. ما له هدف، وما يحتاج مني التزام. أرسم الشخصية وأكمل يومي.
بعد سنوات، حاولت أتعلم الرسم، وعجزت.
دخلت القواعد، والتشريح، والمنظور.
صرت أشوف الفرق بين الصورة اللي في رأسي والصورة اللي تقدر يدي ترسمها.
وكل محاولة تعطيني قائمة جديدة بالأشياء اللي ما أعرفها.
الشيء اللي كان يطلع مني بخفة وقت الملل، صار مهارة تحتاج تدريب وصبر وقياس للتقدم.
ومع التعبير، حصل العكس.
كنت أكره مادة التعبير في المدرسة، وأكره الكتابة نفسها.
القواعد كانت تدخل قبل الفكرة: مقدمة، عناصر، خاتمة، وطريقة مرتبة نمشي عليها كلنا.
لما صار عندي مجال أعبّر بحرية،
اكتشفت أن اللي أحبه هو التعبير: أن تكون عندي فكرة وألقى لها الشكل اللي يوصلها.
الكتابة ممكن تكون واحدة من الطرق، لكنها مو الشيء اللي أحبه بحد ذاته.
في الرسم، جاءت المساحة أولًا، ثم ضاقت لما تحولت التجربة إلى دراسة.
وفي التعبير، سبقت القواعد المساحة، فما عرفت إيش يعني لي إلا لما صار عندي مجال أختار شكله.
أحيانًا يبقى الحب وتختفي الخفة، وأحيانًا ما نكتشف الحب أصلًا إلا بعد ما نلقى مساحة نقترب فيها من الشيء بطريقتنا.
⚠️متى صار الإتقان شرط؟
في طفولتنا، نسوي أشياء كثيرة لأننا نبي نسويها.
نرسم لأن الصفحة فاضية.
نغني لأننا حافظين الأغنية.
نكتب قصة ما نعرف كيف بتنتهي.
نجرب حركة لأن شكلها ممتع.
وبعدين يكبر معانا سؤال صغير:
هل أنا جيدة فيه؟
السؤال قد يفتح باب التعلم. المهارة تعطينا أدوات أكثر،
وتساعدنا نقرب الصورة اللي في رأسنا من الشيء اللي نصنعه.
لكن التقييم أحيانًا يدخل بسرعة، قبل ما تتكوّن علاقتنا بالهواية.
نبدأ الرسم، فنبحث عن دورة.
نشتري الأدوات المناسبة، ونتابع أشخاصًا قضوا سنوات في التدريب،
ثم نقارن محاولتنا الأولى بأعمالهم.
وبعد فترة، يدخل التقدم والنتيجة وإمكانية النشر في حساباتنا.
حتى الوقت الممتع يصير محتاج إلى فائدة تبرره،
وممكن نبدأ نفكر كيف نحول المهارة إلى مشروع أو محتوى أو دخل جانبي.
وأقول هذا وأنا أخذت لعبة أحبها، وصنعت منها بودكاست ومقالات ، وقريبًا يمكن أطلع منها عالم موازي كامل
بالنسبة لي، مشروعي أبعاد ما صار شرط يبرر حبي للألعاب،
صار امتداد طبيعي للطريقة اللي أحب ألعب وأفكر فيها.
ومع ذلك، يبقى السؤال قائم:
هل ما زلت أقدر أحب الشيء لما ما ينتج عنه شيء؟
أبغى أظل قادرة ألعب من غير ما أستخرج فكرة،
وأكتب فقرة ما راح يقرأها أحد، وأرسم شخصية وأتركها في آخر الدفتر.
✏️يمكن كانت مجرد خربشة
على الأغلب، الرسم ما كان شغفي الكبير من البداية.
كان باب صغير يفتحه خيالي لما أمل.
وهذا يكفي.
أحيانًا نعطي المتعة وزن أكبر من اللي طلبته.
نستمتع بشيء، فنحوله إلى هواية.
وبعدها تحتاج الهواية ممارسة مستمرة وتطور واضح ومكان في تعريفنا لأنفسنا.
بعض الأشياء يكفي أنها تزورنا من وقت إلى وقت
نحب التصوير بهاتفنا،
والغناء في السيارة،
وتحضير طبق واحد،
وخربشة شخصية على طرف الصفحة.
هذه المتع الصغيرة ما تحتاج مستقبل.
قيمتها موجودة في اللحظة نفسها.
🪞لما تصير المحاولة مرآة
المشكلة تبدأ أحيانًا لما نتعامل مع المحاولة كأنها تقرير عن قدراتنا.
الخط المتعرج ما يكون مجرد خط في أول رسمة.
يصير دليل على أننا «ما عندنا موهبة».
والفقرة المرتبكة ما تعود مسودة أولى.
تصير دليل على أننا «ما نعرف نكتب».
خصوصًا لما نتعود نشوف أنفسنا من خلال الكفاءة: أنا أفهم بسرعة، أتعلم بسرعة، وأعرف إيش أسوي.
الهواية الجديدة تعطينا صورة مختلفة.
نشوف أنفسنا واحنا نتردد، ونخطئ، ونحتاج وقت للتعلم.
وصورة المبتدئ مو دائمًا مريحة.
لهذا قد ننسحب من الشيء قبل ما نعطيه فرصة.
نحسب أننا فقدنا الاهتمام، بينما اللي ضايقنا فعلًا هو شكلنا داخل التجربة.
وأحيانًا فعلًا نكتشف أن النشاط ما يناسبنا ونتركه ببساطة.
الفرق يظهر في السؤال:
هل تركته لأني ما استمتعت فيه، أو لأني ما استمتعت بنفسي وأنا مو جيدة فيه؟
💡التعلم الذي يقربنا
القواعد نفسها تقدر توسع المساحة بدل ما تضيقها.
الرسام يتعلم المنظور عشان يقدر يبني العالم اللي يتخيله.
والكاتب يتعلم أدواته عشان يعرف كيف يشكل الفكرة ويختار متى يخرج عن القاعدة.
المهم: من وين نبدأ؟
نقدر نبدأ من الشيء اللي نحبه، وبعدين نتعلم الشي اللي يساعدنا نقترب منه.
أو نبدأ بقائمة طويلة من النواقص، فيضيع السبب اللي خلانا نمد يدنا للقلم.
لما حاولت أتعلم الرسم، حولت شيئًا كان يزورني بخفة إلى التزام كامل.
كنت أحتاج أرسم شخصية.
لكنني بدأت بدراسة الرسم.
🗒️رجّعها إلى الهامش
فكر في شيء كنت تستمتع فيه قبل ما تسأل عن مستواك.
ما يحتاج يكون شغف ضايع أو حلم قديم.
ممكن يكون خربشة، رقصة، لعبة، وصفة، صورة، لحن، أو كلمات تكتبها لنفسك.
واسأل:
- إيش كان يعطيني هذا الشيء؟
- متى صارت علاقتي فيه أثقل؟
- هل حاولت أحوله إلى مهارة أو عادة أو جزء من هويتي؟
- كيف بسويه لو عرفت أن محد راح يشوف النتيجة؟
- إيش أصغر طريقة أرجع له فيها مرة واحدة؟
اختر محاولة صغيرة.
عشر دقائق، بأبسط الأدوات، ومن غير تحدي لثلاثين يوم ينتظرك في النهاية.
خلها مسودة.
الهامش ما كان مكان أقل أهمية في الصفحة. كان المكان اللي تقدر فيه بعض الأشياء تتنفس؛ لأنها ما تعرف إيش لازم تصير.
قد لا أكون جيدة فيه.
يمكن ما أسويه باستمرار.
لكني أحبه.
ويمكن هذا سبب كافي.
هل انتهيت من القراءة؟
لن تُحتسب الزيارة وحدها كقراءة.
خاصية تجريبية علامة «مقروء» محفوظة على هذا الجهاز فقط.